ابن قيم الجوزية

77

الروح

قال الناس إنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيضربانه ضربة فيصير رمادا » . هذا حديث ثابت مشهور مستفيض ، صححه جماعة من الحفّاظ ، ولا نعلم أحد من أئمة الحديث طعن فيه ، بل رووه في كتبهم ، وتلقوه بالقبول ، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه ، ومساءلة منكر ونكير ، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي اللّه ، ثم رجوعها إلى القبر ، وقول أبي محمد لم يروه غير زاذان « 1 » فوهم منه ، بل رواه عن البراء غير زاذان ، ورواه عنه عدي بن ثابت ، ومجاهد بن جبير ، ومحمد بن عقبة وغيرهم . وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد ، وزاذان من الثقات ، روي عن أكابر الصحابة كعمر وغيره ، وروى له مسلم في صحيحه ، قال يحيى بن معين : ثقة حميد بن هلال . وقد سئل عنه هو ثقة لا تسأل عن مثل هؤلاء ، وقال ابن عدي : أحاديثه لا بأس بها إذا روى عن ثقة . وقوله أن المنهال بن عمرو تفرد بهذه الزيادة وهي قوله فتعاد روحه في جسده وضعفه . فالمنهال أحد الثقات العدول ، قال ابن معين : المنهال ثقة ، وقال العجلي : كوفي ثقة . وأعظم ما قيل فيه أنه سمع من بيته صوت غناء ، وهذا لا يوجب القدح في روايته ، واطراح حديثه وتضعيف ابن حزم له لا شيء فإنه لم يذكر موجبا لتضعيفه غير تفرده بقوله : فتعاد روحه في جسده ، وقد بينا أنه لم يتفرد بها بل قد رواها غيره . وقد روى ما هو أبلغ منها أو نظيرها كقوله : فترد إليه روحه ، وقوله : فتصير إلى قبر فيستوي جالسا ، وقوله فيجلسانه ، وقوله : فيجلس في قبره ، وكلها أحاديث صحاح لا مغمز فيها ، وقد أعله غيره بأن زاذان لم يسمعه من البراء ، وهذه العلة باطلة ، فإن أبا عوانة الأسفرائيني رواه في صحيحه بإسناد ، وقال عن أبي عمرو زاذان الكندي قال : سمعت البراء بن عازب ، وقال الحافظ أبو عبد اللّه بن منده هذا إسناد مشهور رواه جماعة عن البراء . ولو نزلنا عن حديث البراء فسائر الأحاديث الصحيحة صريحة في ذلك مثل حديث ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن

--> ( 1 ) هو أبو عمر زاذان مولى كندة ، وقد شهد خطبة عمر بالجابية وكان من علماء الكوفة ، توفي سنة إحدى وثمانين .